منتدى رياضيات التعليم الثانوي ليوة / ولاية بسكرة / الجزائر

أهلا بك زائرنا الكريم.. .. منتدانا يتشرف بانضمامك إلينا كعضو و لم لا كمشرف على أحد المنتديات الفرعية لموقعنا..


دعوة لكل طلبة العلم من أبناء ليوة و باقي المناطق للإلتحاق بمنتدانا و اثراءه بالنقاشات الجادة و المواضيع القيمة .. بالأخص في مادة الرياضيات.. كما نسعد باستقبال اقتراحاتكم و طلباتكم...المدير

    دراسة التناص في قصيدة تجليات نبي سقط من الموت سهوا إعداد الأستاذ سليمان حشاني

    شاطر

    الفارس العربي

    عدد المساهمات: 25
    تاريخ التسجيل: 23/03/2010

    دراسة التناص في قصيدة تجليات نبي سقط من الموت سهوا إعداد الأستاذ سليمان حشاني

    مُساهمة من طرف الفارس العربي في الأحد فبراير 13, 2011 3:08 pm


    دراسة التناص في قصيدة
    تجليات نبي سقط من الموت سهوا .
    إعــــــــــداد سليمان حشاني
    سنة أولى ماجستير
    معهد اللغة والأدب العربي
    تخصص علوم اللسان
    جامع محمد خيضر بسكرة
    إشراف الدكتورة : دليلة مزوز

    قبل الولوج في بحر القصيدة يتوجب علينا التعرض لمفهوم التناص فنقول
    هو تداخل نصوص أدبية مختارة قديمة أوحديثة شعرا أو نثرا مع نص القصيدة الاصلي بحيث تكون منسجمة وموظفـة ودالة قــدر الإمكان على الفكرة التي يطرحها الشاعر في قصيدته
    إذن فمفهوم التناص يدل على وجود نص أصلي في مجال الأدب أو النقد على علاقة بنصوص أخرى ،وأن هذه النصوص قد مارست تأثيرا مباشرا أو غير مباشر على النص الأصلي في وقت ما.
    مدخــــل
    يعتبر الشاعر الدكتور يوسف وغليسي أحد الشعراء الذين سموا بالقصيدة العربية النثرية في الجزائر إلى مصاف القصيدة العربية الأكثر نضجا مثله مثل ثلة من الشعراء أصحاب القصائد المتأصلة ذات القضايا الكبرى للأمة من مثل الشاعر عثمان لوصيف ، يوسف وغليسي ....وغيرهم .

    وتعتبر قصيدته {{ التجليات }} واحدة من رحلات الغوص في الجراح النازفة للأمة والتي تضمنها ديوانه تغريبة جعفر الطيار( مجموعة شعرية ) ، ط1 ، منشورات اتحاد الكتاب الجزائريين ، سكيكدة ، 2000..
    وينبئنا عنوان القصيدة على كثير من التجليات التي تجلت بها شعرية الشاعر وغليسي متفاعلا مع الذات الجماعية في هذا الوطن الكبير .
    وكأن الشاعر نبي يتجلى من موقف لآخر ومن رحلة لأخرى غير أن كل تلك الرحلات هي خط متواصل متشابه العقد وهي بذاتها مسيرة جراح هذا الوطن الذي امتزجت فيه الرؤى وتشعبت .
    والنبي الذي سقط من الموت سهوا يكاد يشير إلى ذاكرة عميقة في التجلي التاريخي ترتسم في شخصية الخضر عليه السلام صاحب الحكمة المطلقة اللدنية والتي وهبها الله عز وجل إياه وهو الذي تشير الرواية التاريخية والدينية على أنه العبد الصالح الذي شرب من ماء الحياة فهو حي لا يعرف الموت له طريقا إنه يختفي في اللامكان وسرعان ما يتجلى في الأحداث الكبرى التي تحول المسار التاريخي للأمة .
    إن تجليات الخضر بدأت بتجليه لموسى عليه السلام الذي بحث عن عيون الحكمة والعلم ، كما تجلى لذي القرنين حين بحث عن تفسير لأحلامه التي حيرته ..وبذلك يمكن أن تكون هذه الشخصية << الخضر>> هي رمز المنقذ الذي اختاره الشاعر يوسف وغليسي في تجلياته بالقصيدة .

    يمهد الشاعر لقصيدته بتوطئة :
    اللي مضيع ذهب ...بسوق الذهب يلقاه
    واللي مضيع حبيب ...يمكن سنة ويلقاه
    بس المضيع وطن ...وين الوطن يلقاه

    كل ذلك إحالة خارجية ارتآها الشاعر للدخول مباشرة في صميم القضية إذ يراها مناسبة لموضوع قصيدته << الوطن الكبير >>
    فهل يستعين الشاعر وغليسي بالنبي الذي سقط من الموت سهوا ليجد وطنه الضائع منه ؟؟
    ثم يبتدئ بالوقوف ..يستعيد بقايا الجراح ..

    واقف أستعيد بقايا الجراح ..
    في خريف الهوى..عند مفترق الذكريات ..
    كصفصافة صعرت خدها للرياح !
    واقف أتحسس ..ذاكرة اليأس ضمأى ..
    يزيد اشتعال المدى
    وبراكينه ما ارتوت من ينابع دمعي
    ومن دمي المستباح

    إنه يستعيد في وقوفه ذلك ذاكرة طويلة من الوقوف على الطلل يلعق الشاعر فيها الجراح والآلام آلام الفقد والضياع !! واليأس من الذاهب دون رجعة ..إن الوقوف هيئة متكررة خاصة إذا كان في خريف العمر يصبح الواحد منا كشجرة الصفصاف تضربها الرياح والأعاصير تريد زعزعتها بل اقتلاعها من جذورها ..

    قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل
    بسقط اللوى بين الدخول فحومل

    وقوفا لها صحبي علي مطيهم ..
    يقولون لا تهلك أسى وتجلد

    وقفت بها من بعد عشرين حجة ...
    فلأيا عرفت الدار بعد توهم
    فوقفت فيها ناقتي وكأنها ...
    فدن لأقضي حاجة المتلوم

    فوقفت أسألها وكيف سؤالنا ...
    صما خوالد ما يبين كلامها


    ثم يقول
    واقف عند سفح السنين الخوالي بعيدا
    تبعثرني الريح شوقا إلى السمرات التي
    بايعتني شتاء وصيفا
    وشاخت ,,تهاوت ..وماتت
    ولا شاهد يذكر المرتين
    أنا لا أذكر ـ الآن ـ إلا الظلال التي
    باركت بيعتي..
    والدماء التي أشعلت شمعتين .
    من ترى يشهد اليوم أنّي
    أنا سيد البيعتين !!؟؟

    إن هاته الصفصافة التي تحدت الرياح والعواصف ، وتلك السمرات التي بايعت الشاعر والتي بعثرته الريح شوقا لها هي نفسها الشاعر ومن خلاله الإنسان الذي يضربه تيار التغيير والانتزاع والاقتلاع من الجذور فيصمد مليا ..نفسها سمرات الحي التي تغنى بها امرؤ القيس والتي طالما تألم ونزفت تحتها جراحه في لحظة الفقد وهو يتجرع مرارة الفراق والبين مثله مثل جاني الحنظل

    كأني غداة البين يوم تحملوا ...
    لدى سمرات الحي ناقف حنظل

    هذه السمرات التي شاخت وتهاوت وماتت هي نفسها السمرات والأثل التي أنهكها الزمن في بيت لبيد :

    حفزت وزايلها السراب كأنها ...
    أجزاع بيشة أثلها ورضامها

    غير أن الشجرة عند وغليسي قد تأخذ منحى آخر أكثر إيجابية وصفصافته تلك هي تشبه شجرة الدردار التي شهدت البيعة لدولة الأمير عبد القادر وهي نفسها ذاكرة بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة .
    حيث يقول تعالى { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } سورة الفتح 18
    لكن الشاعر يكشف عن سقوط تلك الأشجار التي قد توحي إلى الجذور التاريخية أو إلى تاريخ الأمة أو حتى لتاريخ الجزائر..
    في ذكره الدماء التي تشعل الشموع شموع الحرية والسلام التي سبقتها دهور من الظلم والظلام .
    وهذا أول تجلي يظهره الشاعر في قصيدته .

    يتحدث الشاعر عن البيعتين فهل هما بيعة تحت الشجرة لنشوء بذرة الوطن على يد الأمير عبد القادر،أو هي بيعة الفتح العربي ببلاد المغرب .. وبيعة ثانية هي بيعة الدم والاستشهاد على يد زمر من الشهداء الأطهار ؟؟ الذي أشعلوا بدمائهم شموع وشموس الحرية لهذا الوطن ؟؟

    كان لي وردتان
    وردة طلعت من حنين الشهيد ، وماتت
    وأخرى أصيبت بفقر الحنان!
    دلني ياربيع على روضتي
    إنني فاقد الوردتين..

    وهكذا ماتت الوردتان ..وفقد الشاعر الوردتين ، وفقد الوطن الوردتين في مرحلة من مسيرته وتخبط الوطن طويلا بين منعطفات التشظي ، وزلزال التشتت ..وصراع التملص من نور الشرق ..إلى غياهب مظلمة ليس لها قرار .
    لكن الأمل يلوح من بعيد ...وتباشيره تزرع من جديد فيتدلى القمر مضيئا من جديد ، ويبعث عيسى ابن مريم مخلصا ومنقذا يسرى به من سماء خطايا والأخطاء المرتكبة والتي رمز لها الشاعر بخطايا سدوم ، إلى النجاة والطهارة من الذنوب إلى سدرة الارتفاع والعلو بعد الانحطاط والسدرة شجرة تعيدنا إلى بيعة الشاعر في أول القصيدة وإلى عروج النبي صلى الله عليه وسيلم إلى سدرة المنتهى حيث أقصى علو .

    وكأن الشاعر يوحي إلى أن الوطن قد أنقذ بعد أن كاد يغرق في الخطايا ..وكأن الشاعر قد وجد وردتيه اللتين فقدهما !!
    وهذا هو التجلي الثاني للشاعر .
    ...........................................................
    حلمي الأزلي احتراف النبوة
    مذ عقروا ناقة الله مذ شردوا صالحا
    أشهروا في وجوه اليتامى سيوف البطولة
    أخطأتني النبوة في البدء ..عاودني الحلم
    ورثني والدي خاتم الأنبياء
    وأرسلني كالسراب إلى جهة الريح .

    وهنا يحكي الشاعر أصل القصة وتجذرها حيث ارتكبت الخيانة والمؤامرة ..منذ تآمر خيانة قوم ثمود لعهدهم مع الله في سورة { الشمس} ومنذ اجتمعت القبائل وتآمرت على قتل النبي صلى الله عليه وسلم ..وكان ذلك أول عمل متوحد وبطولي لها ضد واحد متوحد ولكن معه الله عز وجل فينقذه الله من طغيانهم قال تعالى { فأغشيناهم فهم لا يبصرون } يس 9
    وقد استعمل الشاعر في حلم نبوته رمز خاتم الأنبياء الذي يوحي إلى الحل وانفتاح باب الفرج وكأنه خاتم سيدنا سليمان عليه السلام ، واستخدم رمز الريح الذي يدل على القوة التي ترافق هذا الخاتم ..{ ولسليمان الريح} وكأن الخاتم والقوة ..هي تجليات ثالثة للنبي الذي سكن روح الشاعر .
    ..........................................................
    أحمل زنبقة في يدي ..وكتابي المقدس
    أرسمه في الدجى
    وأرش البقاع بعطر الطفولة..
    استباحوا دمي في الشهور الحرام وما خجلوا..
    سفحوه على قارعات الطريق

    وتتكرر مع الشاعر قصة المؤامرة والخيانة على الرغم ما يحمله لقومه وأهله من بني جلدته من زهرة السلم والوئام وشريعة البيعة ، ثم هو يغسل البقاع والنواحي بعطر الطفولة والبراءة المباركة ..لكنهم كذبوه وما صدقوا رؤاه وتآمروا واستباحوا دمه ..بل وسفحوه على قارعة الطريق كما فعل بيوسف عليه السلام..حين استهزأ به إخوته بل وحسدوه ..فتآمروا عليه ورموه في غيابة الجب كما ورد في قصة يوسف في السورة ..
    وكأن الشاعر هنا أيضا يرى بصيصا من أمل في عيني يعقوب المبيضتين من الكمد والحزن على الفقد وفي رائحة القميص التي تهدهدها الريح التي أصبحت تتساءل وتحن إلى عودة يوسف حتى يتحقق تأويل الرؤيا ويعود البصر من جديد ..لكن الأب مات في القصيدة يشير الشاعر من خلالها إلى موت الأصل الذي نتعلق ونتشبث دوما به ..
    ولأن يوسف كان نبيا قد اختاره الله لخير قومه فإن شاعرنا طالما أراد أن تكون أمته ووطنه إلى سدرة المنتهى إلى زمن البيعة الأولى إلى الشجرة الأم .إلى الأصل الذي يكاد ينمحي من ذاكرتنا ..


    ولعل ذلك هو التجلي الخامس للشاعر النبي .!!

    شوهوا نسبي ..
    سيجوا بالأراجيف ذاكرتي
    أعدموا شجرة الانتماء
    عقروا خيل عقبة والفاتحين
    وأحيوا رميم كسيلة والكاهنة
    حين أفصحت عن رغبة في البكاء
    نقشوا لتهودة في البال أيقونة
    ثم خروا لها ساجدين وناموا على طيفها
    بعدما ناصبوني العداء
    أنكروا أنني أوفدتني السماء شتاء
    يعرب وجه النبات
    بربروا لغة الطير والكائنات
    نهبوا ملك بلقيس من بعدما
    أوقفوا هدهدي..

    يتوضح في هذا الجزء ويتجلى جرح الشاعر وألمه في وطنه إنه ألم الانسلاخ عن الأصل حين عقر الكثير منا خيل عقبة بن نافع بل وقتلوا الفاتحين ومنهم عقبة وحرفوا وقائع التاريخ..وحصول الردة إلى زمن الجهل والضعف والتشتت ..فالشاعر يتألم لهذا الواقع الذي أصبح الوطن يعيشه ..إنها قضية الهوية ففي حين ينادي الشاعر بضرورة التواصل مع البيعة الأولى وهوية العروبة نجد الكثير ممن ينادي بضرورة الانفصال عنها وبناء ذات أخرى تقدس رموز الكاهنة وكسيلة ..فالشاعر يأخذنا هنا إلى زمان الفتح ..العربي الإسلامي وتاريخه
    ويحيل إلى صورة أخرى أقرب لها وهي انحراف إيمان اليهود بالله إلى وثنية جديدة إلى عبادة العجل الذي صنعوه بأيديهم ..:

    نقشوا لتهودة في البال أيقونة
    ثم خروا لها ساجدين وناموا على طيفها

    وتهودة هي المكان الذي شهد ردة كسيلة ومؤامرة الروم والأمازيغ ضد الفاتحين المسلمين..وهي أيضا المكان الذي يرى المؤخون الفرنسيون أنه مقر الجاليات اليهودية النازحة من بطش نبوخذ نصر عند خراب القدس..

    لقد أنكر بعض القوم أن تجلي شاعرنا النبي الذي هو صورة طبق الأصل من الفاتح عقبة بن نافع الفهري والذي تجلى أيضا مطرا وغيثا أنقذ وأحيا بلاد المغرب العربي من موت محقق كإحياء الماء للنبات. والماء هنا أيضا إحالة خارجية إلى البعث والإحياء قال تعالى { وجعلنا من الماء كل شيء حي }
    أما في لفظة يعرب وجه النبات فهنا جاءت بمعنى يفصح ويكشف وجه النبات ..وللفظة معنى آخر يدل على العروبة والتعريب ..فلقد أراد الله أن يتعرب هذا المغرب وأن يرى نور الإسلام عيانا .

    غير أن البعض ممن أرادوا الردة والنكوص على أعقابهم كمموا فم الهدهد وألجموا لسانه ..والهدهد في المخيلة الدينية والتاريخية هو الرسول الذي أرسله النبي سليمان عليه السلام بالأمن والسلام ,,وكذلك فعلوا به مثلما فعل بعقبة والفاتحين ومثلما فعل بشاعرنا النبي المتجلي .

    صادروا مصحفي
    لفظوني على شرفة الحلم السندسي وقالوا
    أموي يحن إلى الزمن الهاشمي

    ولعل هذا هو التجلي السادس لشاعرنا النبي المتجلي
    ...............................................................
    ثم يتحول هذا التجلي إلى تجلي آخر ..تجلى النبي الذي تعاوره اليأس وأبق إلى الفلك المشحون بعدما ساهم وتردى والتقمه الحوت
    كأن الشاعر يوحي إلى فكرة السجن بتهمة لفقت له وهي أنه أموي يحن إلى الزمن الهاشمي ؟؟!!
    لكن الحقيقة التي غابت عنهم هي أنه يهوى صهيل الخيول العربية ..ويهوى طيف عقبة حين يراوده في رؤاه

    فأبقت إلى الفلك أبحث عن مرفإ للعزاء
    يتعاورني اليأس برا وبحرا ..
    تدثرت بالأمنيات ..تزملت بالمعجزات
    ولا عاصم من عناء
    كنت وحدي أساهم ..وحدي أرد الأعادي
    وحين ترديت كان لي الحوت منفى ومقبرة ..
    كنت في بطنه غارقا في التسابيح
    سبحت باسم دم الشهداء
    باسم ما في دمي من هوى لتراب بلادي
    للرمل للنخل ..سبحت ..سبحت
    ناديت كل ولي من الخالدين ، وكل
    الصحابة والأنبياء
    إنني هاهنا لابث
    مدحض ومليم ، فأي رياح ستحملني للسماء
    أي موج أيها الريح ينبذني للعراء ..

    وهكذا نرى الشاعر يتجلى هذه المرة في النبي يونس عليه السلام بقصته ..يحيل الشاعر إليها ويسقط تجلياته عليها .
    ................................................................
    بربري أنا
    بربري ولكنني كنت دوما أحن إلى زمن
    الفتح ..أهوى صهيل الخيول ..يراودني
    طيف عقبة كا يلوح لي بالمزامير
    يغمرني بالمنى..
    هل أعدل خارطة الأزمنة؟؟

    في هذا التجلي يجيب الشاعر على كل التساؤلات التي يمكن أن تطرح ..في حقيقة من هو
    إنه يؤكد على بربريته لكنه لا يقبل أن يعبد الكاهنة أو كسيلة ..مثلما عبد اليهود العجل ..
    الشيء الوحيد المتغير فيه عن البقية أنه يهوى صهيل الخيول ...ويراوده طيف عقبة أحيانا فيذكره بزمان البيعة .. إنه امتزاج الشرق بالغرب يتجلى في روح الشاعر المتجلي نبيا .
    ولا يستطيع أن يغير من خارطة الزمان ولا حتى المكان ..ولا يستطيع أن يقلد البناني في مواله ولا السوري أو يغير لون دمه حتى يقال أنه عروبي بحت ..
    إنه مزيج من العربي والبربري ..إنه تمازج الأرواح وتناسخها غداة الفتح النوراني على يد عقبة حين استوطنته عروق جديدة حية نابضة

    هل أعدل خارطة الأزمنة
    أم أغني على نغمة الأوف والميجنة
    أم سأنزح نحو العروق التي استوطنتني
    غداة تناسخ أرواحنا
    أم أغير لون دمي ..كي يقال
    تنكر للكاهنة ؟؟!!
    ..............................................................
    إن محنة الوطن < الجزائر > لحظة اغتصابها تتجلى في المقطع السادس من القصيدة حيث يشبه الشاعر الجزائر بالمرأة العذراء المتعففة والتي في غفلة من حراسها اغتصبت ..

    آه يا أسفي!
    ضاع مني الذي كنت أحمله فجأة
    ....................................................

    وغرق الكثير في الدم والدموع وانبثقت كثير من التساؤلات والاستفهامات

    فمن سيدل الخطيب على سارق المصحف؟؟
    أو نذبح صفراء فاقع لونها كي نهتدي؟؟
    أم نصلي صلاة الغياب على القارضين؟؟
    أم الأمر أهون من ركعتين؟؟
    أم ترى بــ ( عفا الله عما سلف) نكتفي؟؟
    أم سنضرب كفا بكف ؟؟


    إن ظاهرة العشق التي يكشفها الشاعر في تجلياته ..وتجلي معشوقته وطنا ..وهو ملكها ..هذه الحبيبة التي ضاعت منه فجأة وذبحت بسكين المؤامرة ..كل ذلك يدعو الشاعر لأن يتساءل كل تلك المساءلات الحائرة والتي لم تجد جوابا ..

    وطني امرأة وشحت روحها بالعفاف
    وأنا الملك الآدمي الذي يشتهي
    أن يموت على صدرها المرمري
    خاشعا يتصدع من خشية الوجد والانخطاف
    آه يا أسفي !!
    ضاع مني الذي كنت أحمله فجأة..

    وما هذا العشق والحب والحنين للوطن الذي سلبته المِؤامرة إلا صورة لذاكرة متكررة لحنين الشاعر العربي القديم في حنينه للأوطان عندما يستحضر
    حبه لأسماء في شعر الحارث بن حلزة اليشكري أو عندما يستحضر حنينه لعزّة في شعرة كثيّر..لكن كل ذلك أصبح في عالم الشاعر في خبر كان ..مع ما لدلالة كان من معاني الذهاب والرحيل والموت ..والمجهول..

    كان لي وطن يوم كان الحمام يحمل أسماء
    أشواقي الكامنات وكنت أنا الحارث بن حلزه
    كان لي وطن يوم كان وكنت وكنا وكان
    كثيّر يعشق عزه

    فهل كان الشاعر يعيد صورة النبي المتجلي والذي يرسل الهدهد لبلقيس بالسلم والأمن والأمان والحب حب البشر وحب الوطن ..

    هذا الوطن الذي كان يجمع بين أحضانه انسجاما وتناسقا بين شموخ النخيل الذي يوحي إلى العروبة والصحراء وبين عزة أشجار الصنوبر والزان والسنديان ..بجبال الأوراس وجرجرة ..

    كان لي وطن ضارب في دمي
    راسخ في امتداد الزمان
    سامق في السماء
    شامخ كالنخيل
    فارع كالصنوبر والزان والسنديان
    كان لي وطن يوم كان

    أليس هو روح التمازج الأزلي بين الشرق والغرب الذي أراد الكثير أن يتناساه بل ويطمسه ..ويمزقه
    أليس ذلك جزء من رحلة خالد بن سنان النبي من عبق الشرق إلى أريج الغرب يجمع شتات الوطن على حب واحد ..أليس اسمه من سر الخلود الذي أراد الغاصبون ان يبطلوه ..
    أليست قصة هذا الوطن الذي ضيعه قومه والشاعر الذي خذله أهله هي نفسها قصة النبي خالد الذي قال عليه النبي محمد صلى الله عليه وسلم {{ ذاك نبي ضيعه قومه }} .؟؟!!

    كان لي وطن يوم كانت سراديبه تستضيء
    بنوري المقدس
    وكنت أنا خالد بن سنان
    فلماذا يضيعني اليوم قومي؟؟
    لماذا يصادر نوري؟!
    لماذا ؟؟

    وهذا تجل آخر لشاعرنا النبي المتجلي
    .............................
    يا عبير الهوى..يا رحيق الشفاه
    ويا شفق الحلم بالله لا تغترب

    هل أصبح هذا الوطن في خبر كان مع ما لكان من ذاكرة في المخيلة العربية .. كان في الماضي ..وكان ما كان منذ عهد الطفولة حين كنا ننام على حجور الجدات ونحلم أحلام الربيع ..التي ذهبت ولن تعود

    يا ربيع الطفولة لا تحتضر
    ادن مني قليلا ، أناشدك الله ادن
    وتوج عيوني بلون الزنابق والأقحوان

    لكن الحلم ذهب ولن يعود وأفقنا على الواقع المرير واقع يحول المنى والأماني والأمنيات ..والأغنيات إلى سراب ومنون وموات ..وتنخذل تلك الرؤى ..وتذبل زهور شجر الزيزفون وتنقلع شجرة الصفصاف من أصلها ..وتصفر عيدان السمرات ..
    وينخذل الشاعر المتجلي نبيا

    كان ما كان ثم أفقت على عطر أغنية
    كان مطلعها
    كان ..يا ما يكون
    في بلاد المنى والمنون
    طائر مثقل بالظنون
    هاتفا أبدا في جنون
    خذلتني زهورك ..كم خذلتني
    أيا شجر الزيزفون ..

    فما مصير الشاعر الآن وقد خذلته الزهور الذابلة والوطن المغتصب ..هل يفكر في الابتعاد والهجرة على الرغم مما يكنه لحبيبته {{ وطنه}} ، وهل يلجأ إلى الغار مثلما لجأ النبي محمد صلى الله عليه السلام عندما خذلته قريش ..وهاجر من وطنه مكة على الرغم مما يكنه لها ..؟؟
    أو مثل أصحاب الكهف عند تحصنهم بالكهف هروبا بدينهم من الواقع الكافر والجاحد والظالم .

    ألجأ الآن وحدي إلى الغار
    لا أهل ..لا صحب ..إلا الحمامة والعنكبوت
    غربتني الديار التي لا أحب سواها
    ولكنني متعب..متعب في هواها
    فيا أيها الحب اسحب خلاياك من دمي
    التوّ اسحب ودعني أموت

    هل يهيم الشاعر المتجلي و المتنبي على وجه الأرض بعد ما أنكره الوطن وجال الخراب والموت في ربوعه ..؟؟؟

    هائم في السنين
    والدروب ملغمة بالفجائع
    الموت يزرع كل الدروب
    وكل الدروب تؤدي إلى الموت
    تغمرني رجة الموت في كل حين
    ......................................................
    وهل يتوجه صوب الشرق والنخيل
    ويبتعد عن جبهتي الصراع والصدام ..
    هل يستجير بظل خيمة .زمن حرارة اللهيب والموت مثلما فعل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ..عند لجوئه إلى المدينة واحتضان نخيله لها كوطن بديل ؟؟!

    هائم أتنزى حنينا إلى خيمة
    أستجير بها من هجير المكان
    الرمال ارتوت من ذرى مقلتي
    وهذا النخيل نما في دمي
    وتهاوى على راحتي
    هائم تتقاذفني جبهتان
    لست في العير أو في النفير أيا سادتي
    فلم يعلنان اللهيب عليّ
    ....................................................

    إن حالة الشاعر..النبي المتجلي هي نفسها تشبه حالة حصار اليهود لعيسى عليه السلام يريدون صلبه وقتله ..ولكنهم ما قتلوه وما صلبوه كما ثبت في الآية الكريمة ..بل رفع إلى مدارج السماء حيث الخلود ..
    وكذلك الشاعر المتنبي لقد انتصر وارتفع ..بل ومارس النبوة في وطن آخر ويجد فيه الوصل بالأصل وبالشجرة وبالبيعة ..وبالنخيل الفارعة
    إنه الخلود والسمو..
    فلا الرياح تعصف بشجرة الصفصاف ولا خريف يبيد السمرات ..والأثل ..ولا موت يأخذ النبي المتجلي كالخضر عليه السلام ..حيث لا عرش ولا برلمان..
    لكنه سوف يعود إلى وطنه يوما ما حين تعلن الحرب على الغاصبين .. مثلما سوف يعود عيسى عليه السلام إلى الأرض فيطهرها من الكفر والنفاق ويقضي على الدجل والدجال لأجل أن ينتصر الوطن ويعود الأمن والأمان إلى البيوت ...ويعود الهدهد برسالته إلى المملكة ينشدها الأمن والحب والسلام .

    يسألونك عني
    قل إتي ما قتلوني وما صلبوني ولكن
    سقطت من الموت سهوا
    رفعت إلى حضرة الخلد
    إني تلاشيت سكران
    إني تشظيت في وهج الوجد
    غيبت غي أبد الآبدين
    يسألونك عني..
    قل إني نزحت إلى طور سنين
    إني تقلدت عرش النبوة في وطن آخر يشتهيني
    ويمنحني الوصل بالروح في كل حين
    يسألونك عني
    قل إني تشبهت بالنخل ما متّ
    ما ينبغي أن أموت..
    أتسامى كما الروح فوق الرياح وفوق الزمان
    وفوق المكان ، وفوق الحكومة والبرلمان
    وسوف أحط من الملكوت
    سأعود غداة تزلزل تلك الممالك زلزالها
    وجبال الزبربر تخرج أثقالها
    ويعود الحمام إلى شرفات البيوت .

    من خلال التجليات السابقة في قصيدة الشاعر نجد أن قصيدته تتناص مع نصوص أخرى في التراث الفكري والديني والتاريخي ..ما يدل على أن الشاعر واع بقضيته التي يطرحها في القصيدة القصة حيث نجده يرحل بنا من تجل إلى تجلي ..يرسم أبعاده بكل مهارة شعرية وفنية حتى جاءت قصيدته نسقا متكاملا معبقا بأريج الأصالة والتاريخ والمصداقية ..

    ويمكن أن نعدد هذه النصوص والإحالات الخارجية على سبيل التمثيل لا الحصر فنقول :
    ــ استحضر الشاعر في عنوانه قصة الخضر عليه السلام الذي شرب من ماء الحياة ليوهب الخلود .
    ــ ثم استحضر الشاعر مقطعا شعريا من التراث الشعبي
    ــ ثم استحضر داكرة وقوف الشاعر الجاهلي على الأطلال
    ــ واستحضر صورة الشجرة وذاكرة البيعة بيعة الرضوان وبيعة الأمير عبد القادر
    ــ واستحضر تاريخ الوطن الثوري متمثلا في الشهداء
    ــ واستحضر قصة سدوم وخطاياها في قوم لوط ورمز السدرة والمعراج واستخدم رمز النبي عيسى عليه السلام كمغفرة للخطيئة في الفكر النصراني الغربي..
    ــ واستحضر مؤامرة قوم ثمود وقتلهم للناقة وتنكرهم لنيهم صالح عليه السلام
    ــ واستحضر قصة اليتامى في شخص الرسول الكريم
    ــ وقصة خاتم سليمان النبي وقوة الريح التي وهبها الله إياه وكذلك رمز الهدهد حامل رسالة السلام إلى بلقيس.
    ــ واستحضر قصة تآمر إخوة يوسف عليه.والجب.والأمل الذي عاش مع يعقوب في اللقاء به ..الرؤيا التي رآها يوسف عليه السلام .
    ــ واستحضر الحادثة التاريخية بين عقبة وكسيلة ورمز الكاهنة وتهودة إبان الفتح الإسلامي لبلاد المغرب كرمز للتنكر والخيانة والردة التي تمثلت في عبادة اليهود للعجل بعد أن كانوا مؤمنين .

    ــ واستحضر قصة الرسول صلى الله عليه وسلم حين تنكرت له قريش وهجرته إلى المدينة واختباؤه بالغار ورمز الحمامة والعنكبوت ورمز التدثر والتزمل في القرآن الكريم ورمز الكهف والفتية والهروب بالإيمان من الوطن .
    ــ واستحضر قصة يونس عليه السلام والظلمات التي عاشها ..في جوف الحوت ..
    ــ واستحضر التراث الشعبي العربي متمثلا في الموال الشرقي الأوف والميجنة
    ــ واستحضر شخصية مالك بن دينا وابن عبد الملك وغيلان ..وقصة اليهود مع البقرة الصفراء الفاقع لونها في سورة البقرة
    ــ واستحضر أسطورة أراغون وإلزا
    وقصة حب الحارث بن حلزة اليشكري لأسماء وكثيّر لحبيبته عزّة ..
    ــ واستحضر رمز النخيل الذي يدل على العروبة والصنوبر على الأمازيغية
    ــ واستحضر قصة خالد بن سنان وتضييع قومه له كما ورد في الحديث الشريف .
    ــ واستحضر قصة عيسى عليه السلام الذي رفعه الله مكانا عليا ليعود بعد ذلك فيقتل الغاصبين والظالمين ..
    ــ واستحضر رمز الدولة والسيادة في لفظة الحكومة والبرلمان .. ورمزجبال الزبربر في الصراع السياسي الذي شهدته الجزائر خلال العشرية المشؤومة ..ورمز الحمام الذي يدل على السلام والوئام المدني والأمن .

    المراجع :

    1 ـ القرآن الكريم
    2 ـ قصيدة تجليات نبي سقط من الموت سهوا من ديوان تغريبة جعفر الطيار للشاعر يوسف وغليسي
    3 ـ شرح المعلقات السبع للزوزني
    4 ـ السيرة النبوية لابن هشام .دار بن حزم بيروت ط 2001
    5 ـ محاضرات حول التناص للدكتورة دليلة مزوز موسم 2009/2010
    6 ـ قصص القرآن الكريم لأحمس حسن صبحي دار الحديث القاهرة ط 2005
    7 ـ التناص الأدبي وآلياته للدكتور جميل حمداوي مطبوعة مستخرجة من الأنترنت .
    8 ـ القاموس المحيط للفيروزبادي .دار الفكر بيروت 1999
    9 ـ السيرة الذاتية والعلمية للدكتور يوسف وغليسي
    (مستخرجة من الأنترنت )
    10 ـ التيجان في ملوك حمير .تحقيق عبد العزيز المقالح مركز الدراسات والبحوث اليمنية ط2 1979

    نبذة عن حياة الشاعر :
    هو الشاعر يوسف وغليسي بن سعيد
    ولدفي 31 / 05 / 1970 بأم الطوب – ولاية سكيكدة .
    يشغل حاليا أستاذا بمعهد الأدب واللغة العربية بجامعة قسنطينة
    تحصل على الباكالوريا سنة 1989
    وشهادة الليسانس في الأدب العربي سنة 1993 بجامعة قسنطينة
    ونال شهادة الماجستير سنة 1996
    ونال شهادة الدكتوراه سنة 2005 بجامعة وهران
    له العديد من الدراسات النقدية والمجموعات الشعرية أهمها
    أوجاع صفصافة في مواسم الإعصار ( مجموعة شعرية) نشرت سنة 1995.
    تغريبة جعفر الطيار( مجموعة شعرية ) نشرت سنة 2000
    قُـرر تدريس مجمـوعته الشعرية ( تغريبة جعـفر الطيار ) بجـامعة محمد الأول ( وجدة ) المغربية.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس أكتوبر 23, 2014 10:58 pm